ابن أبي الحديد
164
شرح نهج البلاغة
فقال المهلب : حسبك يرحمك الله ! وكان عبد الملك بن هلال عنده زنبيل ( 1 ) مملوء حصا للتسبيح ، فكان يسبح بواحدة واحدة ، فإذا مل طرح اثنتين اثنتين ، ثم ثلاثا ثلاثا فإذا ازداد ملاله قبض قبضة وقال : سبحان الله عددك ! فإذا ضجر أخذ بعرا الزنبيل وقلبه ، وقال سبحان الله بعدد هذا . ودخل قوم منزل الخريمي لبعض الامر ، فجاء وقت صلاه الظهر ، فسألوه عن القبلة فقال : إنما تركتها منذ شهر . وحكى بعضهم ، قال : رأيت أعرابيا ، يبكى فسألته عن سبب بكائه ، فقال : بلغني أن جالوت قتل مظلوما . وصف بعضهم أحمق ، فقال : يسمع غير ما يقال ، ويحفظ غير ما يسمع ، ويكتب غير ما يحفظ ، ويحدث بغير ما يكتب . قال المأمون لثمامة : ما جهد البلاء يا أبا معن ؟ قال : عالم يجرى عليه حكم جاهل . قال ، من أين قلت هذا ؟ قال : حبسني الرشيد عند مسرور الكبير ، فضيق على أنفاسي ، فسمعته يوما يقرأ : ( ويل يومئذ للمكذبين ) ( 2 ) بفتح الذال ، فقلت له : لا تقل أيها الأمير هكذا ، قل : ( للمكذبين ) ، وكسرت له الذال ، لان المكذبين هم الأنبياء ، فقال : قد كان يقال لي عنك : إنك قدري ، فلا نجوت إن نجوت الليلة منى ! فعاينت منه تلك الليلة الموت من شدة ما عذبني . قال أعرابي لابنه : يا بنى كن سبعا خالصا أو ذئبا حائسا ( 3 ) ، أو كلبا حارسا ، ولا تكن أحمق ناقصا .
--> ( 1 ) الزنبيل ، بالكسر وقد يفتح : القفة أو الجراب أو الوعاء . ( 2 ) سورة المرسلات 19 . ( 3 ) يقال ، يحوس الذئب الغنم ، أي يتخللها ويفرقها .